ابن كثير
197
البداية والنهاية
فلم أر يوما أكثر باكيا ولا باكية من يومئذ . ثم لما كان بعد ذلك خطب الناس فقام إليه جهجاه الغفاري فصاح إليه : يا عثمان ألا إن هذه شارف قد جئنا بها عليها عباءة وجامعة ، فأنزل فلندرجك في العباة ولنطرحك في الجامعة ولنحملك على الشارف ثم نطرحك في جبل الدخان . فقال عثمان : قبحك الله وقبح ما جئت به ، ثم نزل عثمان . قال ابن أبي حبيبة : وكان آخر يوم رأيته فيه . وقال الواقدي : حدثني أبو بكر بن إسماعيل عن أبيه عن عامر بن سعد . قال : كنا أول من اجترأ على عثمان بالنطق السئ جبلة بن عمرو الساعدي مر به عثمان وهو في نادي قومه ، وفي يد جبلة جامعة ، فلما مر عثمان سلم فرد القوم ، فقال جبلة : لم تردون عليه ؟ رجل قال ( 1 ) كذا وكذا ، ثم أقبل على عثمان فقال : والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه ، فقال عثمان : أي بطانة ؟ فوالله لأتخير ( 2 ) الناس ، فقال مروان تخيرته ، ومعاوية تخيرته ، وعبد الله بن عامر بن كريز تخيرته ، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح تخيرته ، منهم من نزل القرآن بذمه ، وأباح رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه ، قال : فانصرف عثمان فما زال الناس مجترئين عليه إلى هذا اليوم . قال الواقدي : وحدثني محمد بن صالح عن عبيد الله بن رافع بن نقاخة عن عثمان بن الشريد . قال : مر عثمان على جبلة بن عمرو الساعدي وهو بفناء داره ، ومعه جامعة ، فقال : يا نعثل ! والله لأقتلنك ولأحملنك على قلوص جرباء ، ولأخرجنك إلى حرة النار . ثم جاءه مرة أخرى وعثمان على المنبر فأنزله عنه . وذكر سيف بن عمر أن عثمان بعد أن صلى بالناس يوم الجمعة صعد المنبر فخطبهم أيضا فقال في خطبته : يا هؤلاء الغرباء ( 3 ) ! الله الله ، فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم ، فامحوا الخطأ بالصواب ، فإن الله لا يمحو السئ إلا بالحسن ، فقام محمد بن مسلمة فقال : أنا أشهد بذلك ، فأخذه حكيم بن جبلة فأقعده ، فقام زيد بن ثابت فقال : إنه في الكتاب . فثار إليه من ناحية أخرى محمد بن أبي مريرة فأقعده وقال يا نطع ( 4 ) ، وثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد ، وحصبوا عثمان حتى صرع من المنبر مغشيا عليه ، فاحتمل وأدخل داره ، وكان المصريون لا يطمعون في أحد من الناس أن يساعدهم إلا محمد بن أبي بكر ، ومحمد بن جعفر ( 5 ) ، وعمار بن ياسر . وأقبل علي وطلحة والزبير إلى عثمان في أناس يعودونه ويشكون إليه بثهم وما حل بالناس ، ثم رجعوا إلى منازلهم ، واستقبل جماعة من الصحابة ، منهم أبو هريرة وابن عمر ، وزيد بن ثابت في المحاربة عن عثمان ، فبعث إليهم يقسم عليهم لما كفوا أيديهم وسكنوا حتى يقضي الله ما يشاء .
--> ( 1 ) في رواية الطبري عن الواقدي : فعل . ( 2 ) في الطبري : إني لا أمخير . ( 3 ) في الطبري : العدى . ( 4 ) العبارة في الطبري : محمد بن أبي قتيرة فأقعده وقال فأفظع . ( 5 ) في الطبري : محمد بن أبي حذيفة .